القرطبي

145

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

يموت فيها ولا يحيا . وقد وعدم اللّه عذابا أليما ، فقال عز وجل : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ [ النساء : 56 ] . وأجمع أهل السنة أيضا على أنه لا يبقى فيها مؤمن ، ولا يخلد إلا كافر جاحد ، فاعلم . قلت : وقد زلّ هنا بعض من ينتمي إلى العلم والعلماء ، فقال : إنه يخرج من النار كل كافر ومبطل وجاحد ويدخل الجنة ، فإنه جائز في العقل أن تنقطع صفة الغضب ، فيعكس عليه فيقال : وكذلك جائز في العقل أن تنقطع صفة الرحمة فيلزم عليه أن يدخل الأنبياء والأولياء النار يعذّبون فيها ، وهذا فساد مردود بوعده الحق وقوله الصدق ، قال اللّه تعالى في حق أهل الجنان : عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [ هود : 108 ] أي : غير مقطوع ، وقال : وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ [ الحجر : 48 ] وقال : لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [ فصلت : 8 ] وقال : لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ خالِدِينَ فِيها أَبَداً [ التوبة : 21 ، 22 ] وقال في حق الكافرين : وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ [ الأعراف : 40 ] وقال : فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [ الجاثية : 35 ] وهذا واضح ، وبالجملة فلا مدخل للمعقول فيما اقتطع أصله الإجماع والرسول ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [ النور : 40 ] . * * * 173 باب ما جاء في الاستهزاء بأهل النار وبيان قوله تعالى : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ذكر ابن المبارك قال : أخبرنا الكلبي ، عن أبي صالح في قوله تعالى : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة : 15 ] قال : يقال لأهل النار وهم في النار : اخرجوا ، فتفتح لهم أبواب النار ؛ فإذا انتهوا إلى أبوابها أغلقت دونهم ، فذلك قوله عز وجل : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ويضحك منهم المؤمنون حين غلقت دونهم ، فذلك قوله عز وجل : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ [ المطففين : 34 - 36 ] . قال ابن المبارك : وأخبرنا محمد بن بشار ، عن قتادة في قوله تعالى : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ قال : ذكر لنا أن كعبا كان يقول : إن بين الجنة والنار كوى ، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوّ له في الدنيا اطّلع من بعض الكوى ، قال